عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

229

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ ( 5 ) * ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا ) * أقرب السماوات إلى الأرض . * ( بِمَصابِيحَ ) * بالكواكب المضيئة بالليل إضاءة السرج فيها ، والتنكير للتعظيم ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزة في سماوات فوقها إذ التزيين بإظهارها فيها . * ( وجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ) * وجعلنا لها فائدة أخرى وهي رجم أعدائكم ، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به بانقضاض الشهب المسببة عنها . وقيل معناه وجعلناها رجوما وظنونا لشياطين الإنس وهم المنجمون . * ( وأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ ) * في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا . ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 6 ) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وهِيَ تَفُورُ ( 7 ) * ( وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) * من الشياطين وغيرهم . * ( عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * وقرئ بالنصب على أن * ( لِلَّذِينَ ) * عطف على * ( لَهُمْ ) * و * ( عَذابُ ) * على * ( عَذابَ السَّعِيرِ ) * . * ( إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً ) * صوتا كصوت الحمير . * ( وهِيَ تَفُورُ ) * تغلي بهم غليان المرجل بما فيه . تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 ) * ( تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) * تتفرق غيظا عليهم ، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم ، ويجوز أن يراد غيظ الزبانية . * ( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ) * جماعة من الكفرة . * ( سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ) * يخوفكم هذا العذاب وهو توبيخ وتبكيت . * ( قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) * أي فكذبنا الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال والإرسال رأسا ، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال ، فالنذير إما بمعنى الجمع لأنه فعيل أو مصدر مقدر بمضاف أي أهل إنذار ، أو منعوت به للمبالغة أو الواحد والخطاب له ولأمثاله على التغليب ، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل ، أو على أن المعنى قالت الأفواج قد جاء إلى كل فوج منا رسول من اللَّه فكذبناهم وضللناهم ، ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية للكفار على إرادة القول فيكون الضلال ما كانوا عليه في الدنيا ، أو عقابه الذي يكونون فيه . وقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 10 ) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ ( 11 ) * ( وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ) * كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات . * ( أَوْ نَعْقِلُ ) * فنتفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين . * ( ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ) * في عدادهم ومن جملتهم . * ( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ) * حين لا ينفعهم ، والاعتراف إقرار عن معرفة ، والذنب لم يجمع لأنه في الأصل مصدر ، أو المراد به الكفر . * ( فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ ) * فأسحقهم اللَّه سحقا أبعدهم من رحمته ، والتغليب للإيجاز والمبالغة والتعليل وقرأ الكسائي بالتثقيل .